لمسة أمل

لمسة أمل


 
الرئيسيةالبوابة**مكتبة الصوربحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 عدم الإنتباه .. أصل الشرور كافة !

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة




البلد :
نقاط : 178770
تاريخ التسجيل : 01/01/1970

مُساهمةموضوع: عدم الإنتباه .. أصل الشرور كافة !   الأربعاء نوفمبر 28, 2012 6:33 pm




عدم الإنتباه .. أصل الشرور كافة !








إبراهيم كشت - يسمع المرء أحياناً جملة عابرة ، أو يقرأ عبارة مقتضبة في كتاب ، فيتوقف عندها مَليّاً ، متمعّناً في معانيها ، مستغرقاً في دلالاتها ، وربما سجلها بين سطور أوراقه ، أو حفظها في ذاكرته وكررها ، وأعاد التأمل فيها ، وتقليبَ وجوهها ، واستقصاء أعماقها وأبعادها وآفاقها ، واستشهد بها في حديثه إلى ذاته ، أو في تحاوره مع الناس . وقد يكون السبب في هذا الأثر الذي تُحدِثُهُ أحياناً عبارة عارضة قصيرة ، مستلقية في حضن كتاب ، أو واردة في نص خطاب ، أو ملقاةً على قارعة الطريق ، هو أن تلك العبارة تصوغ فكرة غير مترابطة طالما راودتنا لكننا لم نبلورها في جملة مفيدة ، أو تلخص لنا زبدة تجارب خُضناها وخبرات توصلنا إليها دون أن نترجمها الى كلمات ، فجاء شخص آخر ، ربما يكون من زمن آخر ومكان آخر، فعبّر عنها أبلغ تعبير ، مما جعل لها ذلك الوقع في النفس . وهذا ما حصل معي فعلاً حين قرأت عبارة الروائي الايطالي ألبرتو مورافيا في روايته (الانتباه) التي يقول فيها : { عدم الانتباه أصل الشرور كافة } . وبطبيعة الحال فإننا حين نهتمّ بالبحث في معنى سلبي معين مثل (عدم الانتباه) لابد أن يسوقنا ذلك الى البحث عن ضده الإيجابي ، أعني البحث عن (الانتباه) :

بين الانتباه والتَشتت ، والتنبُّه والغفلة ...
يشير مدلول الانتباه إلى تركيز الوعي على شيء معين ، أي توجيه النشاط العقلي إلى ذلك الشيء ، مع استبعاد المثيرات الأخرى المحيطة التي تسبب التشتت ، وتُخرِجُ الموضوع الذي نركّزُ عليه من بؤرة الوعي . وسوف اجتهد بالقول إنه يجوز لنا توسيع مفهوم (الانتباه) هذا ، لنعبّر عن درجة متقدِّمةٍ منه ، يمكن أن نسميها (التنبُّه) ، وأعني بالتنبّه هنا : ذلك التوجّه أو السلوك الذي يُعبّر عن اليقظة المستمرة ، والدأب على ملاحظة مختلف المثيرات وانتقاء ما يتطلب منها الاهتمام والتفكّر والاستجابة ، إنه نمط من الصلة بالواقع ، يقوم على أساس الالتفات الواعي إلى كل ما يدور ويتحرك في ذلك الواقع مما يحمل أثراً وأهمية . وبهذا المعنى فإنه إذا كان ضدُّ الانتباه هو التشتت وعدم التركيز ، فإن ضد التَّنبُّه هو (الغفلة) ، غفلة المرء عما يحيط به ويجري حوله ، وذهوله عن كثير من المعطيات والإشارات التي كان يجب أن يلتفت إليها .
لا ننتبه إلى مالا نبالي به :
إذا كان مقدار الانتباه الذي يمارسه الشخص يتعلق بعوامل متعددة ، حتى أنــه يرتبط بعمل قشرة مقدمة الفص الجبهي من الدماغ ، الذي يقوم بوظيفة التركيز على المهم بالنسبة للشخص ، واستبعاد غير المهم ، ويتأثر الانتباه بأي خلل في أداء هذا الجزء من الدماغ لوظيفته ، كما يذكر الدكتور (دانيال آمين) في كتابه (غيّر مــــن عقلك ، تتغير حياتك) ، فإن للاهتمامات ، وبالتالي (القيم) ، دوراً مهماً وأساسياً في مسألة ما ننتبه إليه ، أو نغفل عنه ، نركّز عليه ، أو نسمح لأي مثير آخر أن يشتتنا عنه ، فنحن أكثر انتباهاً إلى ما يَهمُّنا ، وإلى ما نقيم له وزناً ، ولا ننتبه غالباً إلى ما لا نبالي به .

تزايُد المُنبّهات التي تحاول اقتناصَ الانتباه :
تتزايد أهمية موضوع الانتباه في عصرنا الحالي ، بسبب التنامي المضطرد في حجم المثيرات التي يمكن أن تلفت الانتباه ، وتشدَّ الاهتمام ، وذلك بسبب كَمْ المعلومات والرسائل والاتصالات ، وبثّ وسائل الإعلام التي يتلقاها الفرد ، ناهيك عن أساليب التسويق التي تتبع كل ما أتيح لها من طرائق علمية مدروسة ، في سبيل اقتناص انتباه الأشخاص لمختلف السلع والخدمات التي تستعصي أعدادها على الحصر . ومن شأن هذا الحجم المتزايد من المثيرات أن يضاعف من احتمالات التشتت ، أو يوجِّه الانتباه أحياناً إلى ما هو ليس مهماً ، أو ليس نافعاً ، أو لا يعطي قيمة مضافة ، بل وإلى ما هو ضحل وسخيف في كثير من الأحيان .
ولعل تزايد أهمية موضوع (الانتباه) على النحو المتقدم ، هو ما جعل بعض المراجع الإدارية تعتبره (أي الانتباه) مورداً مهماً من الموارد ، أي أداة من الأدوات اللازمة للإنتاج وتحقيق الأهداف ، حيث أضحى الانتباه وتقليل التشتت ، وحسن توجيه هذا الانتباه إلى ما هو أكثر جدوى وأهمية ، سبباً في زيادة الإنتاج والكفاءة والفاعلية والجودة في عصرنا الحالي ، بل باتت تلك المراجع تتحدث عن (إدارة الانتباه) بنفس الطريقة التي تتحدث بها عن إدارة الموارد الأخرى ، التي تشكل عناصر أساسية لا غنى عنها للوصول إلى الأهداف .

عدم الانتباه ... حين يكون شكلاً من الإضطراب :
ربما أصبح ضرورياً عند التطرق إلى موضوع الانتباه ، أن تتم الإشارة إلى جانب ذي علاقة وثيقة بـه ، غدا الاهتمام ببحثه يتزايد أيضاً ، ويتمثل هـذا الجانب فيما يسمى بـــ (اضطرابات قصور الانتباه) ، وكثيراً من يكون هذا الاضطراب مرتبطاً بفرط الحركة والاندفاع ، وقد قرأت في كتاب بعنوان (اضطرابات قصور الانتباه وفرط الحركة) للدكتور «كمال سيسالم» أن المصابين بهذا الاضطراب يعانون عادة ، وبدرجات متفاوتة ، من التشتت وصعوبة التركيز ، والفوضى ، والاندفاع ، وضعف العلاقة مـع الأقران والأخوة والأخوات، والسلوك العدواني، وضعف مفهوم الذات ، وتدني درجة الثقة بالنفس ، وضعف التناسق الحركي ، وشدة الإصرار والإلحاح على تنفيذ طلباتهم .
أما الدكتور (دانيال آمين) الذي سبق أن أشرتُ إلى كتابه ، فيذكر من صفات من يعانون قصور الانتباه أنهم عادة ما يبدأون الأعمال ولكنهم لا يتمونها ، ويندفعون في القول فيبدر منهم نحو الآخرين ما لا يجوز أن يقال ، وهم يخطئون في تصرفاتهم نتيجة اندفاعهم ، ثم يندمون ، لكنهم لا يتعلمون من هذا الخطأ والندم ، كما أنهم يتّسمون بالفوضى في التعامل مع الوقت ، وتأخيرِ الأعمال حتى آخر لحظة ، واستغراقِ وقتِ في أداء العمل يفوق ما يستغرقه الآخرون ، إضافة إلى الفوضى في التعامل مع الأشياء ،وفقدانها وإدامة البحث عنها، وهـم يسعون لا شعورياً لإثارة الفوضى والتوتر وخلق الصراع ، في محاولة منهم لايجاد دوافع للتنبُّه الذي يفتقدونه .

الانتباه .. نجاح وإبداع :
كثيراً ما يكون الانتباه واحداً من الأسرار الخفية التي تَكْمُنُ خلف النجاح والتفوق والإبداع والتميّز ، وهو سر قد لا نلتفت إليه في كثير من الأحيان ، رغم أهميته ، ولكن لو أننا تمعنّا ، فسنجد مثلاً أن القائد الاستراتيجي الناجح يملك عادة قدرة عالية على الانتباه إلى ما في البيئة المحيطة من فرص وتحديات . والمدير الكفؤ يمتاز بانتباهه الدائم لسير العمل ومدى توجّهه نحو الهدف . والطالب المتفوق أكثر انتباهاً للدرس غالباً من أقرانه . والرسام المبدع أكثر انتباهاً ممن لا يملكون موهبته إلى ملامح الناس والأحياء والأشياء وأشكالها وتفاصيلها ، وهذا ما يمكِّنه من إعادة تصويرها . والروائي البارع شديد الانتباه لحركـــات الناس وتعبيراتهم ، ولفتاتهم ونظراتهم ، على نحو يزيد من قدرته على وصفهم خلال روايته .. وهكذا .


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
عدم الإنتباه .. أصل الشرور كافة !
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
لمسة أمل  :: المنتدايات العامة :: المنتدى العام-
انتقل الى: