لمسة أمل

لمسة أمل


 
الرئيسيةالبوابة**مكتبة الصوربحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 الحرية : اختيار ، ومسؤولية ، وعدم إضرار بالأخرين

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة




البلد :
نقاط : 174910
تاريخ التسجيل : 01/01/1970

مُساهمةموضوع: الحرية : اختيار ، ومسؤولية ، وعدم إضرار بالأخرين   الأربعاء نوفمبر 21, 2012 9:21 am




الحريّةُ : اختيارٌ ، ومسؤوليةٌ ، وعدمُ إضرارٍ بالآخرين









إبراهيم كشت - الحرية من حيث تَطلُّع الإنسان إليها ، ونُشدانه لها ، وسعيه نحوها، واستعداده للتضحية لأجلها ، هي من حيث ذلك كلــــه (قيمة) ، ونحن نطلق لفظ القيمـــــة على كل ما له وزن وتقدير واعتبار ، وما هو مرغوب في نظر الإنسان . على أن إحساس الإنسان بهذه القيمة (أعني قيمة الحريّة) فطري وطبيعي ومجبول بغرائزه ، ودليل ذلك أن الكائنات الأخرى ، تسعى بطبيعتها إلى الحرية ، فأنت ما أن تضع طائراً أو حيواناً أليفاً أو مفترساً في قفص ، حتى تجده يبدأ فوراً بمحاولة التخلُّص والتحرر ، بكل جهد يملكه أو حيلة يحوزها ، حتى الحشرة التافهة إن أنت حشرتها في علبة مثلاً ، ظلّت تركض ذات اليمين وذات اليسار ، بحثاً عن حريتها وانطلاقها .
وما كُتب في موضوع الحرية (كمفهوم) تراثٌ كامل تمتدُّ جذوره إلى آلاف السنين ، وما قُدِّم لأجل نيلها (كقيمة) تاريخ طويل من التضحيات ، وبالتالي لا يمكن إيجاز مفهومها وقيمتها في موضوع مقتضبٍ كهذا . لكن ، كل ما في الأمر أني وددتُ أن أعرض باختصار بعض ما توارد لذهني من خواطر وأفكار ، كخلاصةٍ لتأملات وقراءات في موضوع الحرية :

الحريةُ : اختيارٌ دون إكراه ...
جوهر الحرية هو قدرة الشخص على الاختيار ، والقيام بفعل أو الامتناع عن فعل ، دون الخضوع للإكراه أو القسر أو الضغوط أو القيود المفروضة عليه من خارج ذاته . وبالتالي فإن محور الحرية ومدارها هو الإرادة ، ولا يمكننا تصوّر وجود الإرادة أصلاً ما لم تكن لدى الشخص قدرة على الاختيار ، أي أن إلغاء الحرية يعني إلغاء الإرادة ، والحد من الحرية يعني الحدّ من الإرادة كذلك ، ولكَ أن تتصور معنى الإنسان أو قيمته أو أثره إن هو تجرّد من إرادته .
ونطاق الحرية ومجالها هو علاقة الإنسان بذاته وبالبيئة المحيطة به ، أي أن للحرية بمفهومها الواسع مجالاتها النفسية والعقلية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية ، فالعُقَدُ النفسية والخوف والخجل مثلاً قيود نفسية تحد من الحرية ، والخرافات والأفكار الموروثة والجاهزة قيود عقلية تمنع حرية التفكير ، وثمة قيود اجتماعية وسياسية واقتصادية تحد من الحرية المنشودة ، كتلك القيود المتعلقة بحرية العمل والاجتماع والتعبير والتنقل والعبادة والتملك وغيرها ، على أن حريــــة الإنسان في علاقته بذاته ، وبالبيئة المحيطة به ، هي التي ترتفع بمستوى هذه العلاقة وتثريها وتسمو بجودتها .

كل حرية تترتب عليها مسؤولية :
الحرية والمسؤولية صنوان ، أي شيئان منبثقان من أصل واحد ، ولا ينفصلان ، فحيث أن أساس الحرية هو الاختيار ، ومناطها الإرادة ، فإن هذا الاختيار بواسطة هذه الإرادة يتضمن دائماً قراراً ، أي يتضمن الأخذ ببديل والتضحية ببديل آخر بموجب ذلك الاختيار الذي لم يخضع للضغط والإكراه ، ولما كان كل اختيار هو في حقيقته قرار يتضمن احتمال الخطأ ، فإنه يترتب على ذلك أن على من اختار بمحض إرادته أن يتحمل مسؤولية اختياره وقراره ، أي أن يتحمل مسؤولية حريته .
وترتبط قيمة الحرية لدى الإنسان بعدة قيم ومعانٍ أخرى يُقدِّرها ويسعى نحوها ، فهي ترتبط بالكرامة والاستقلال ، وبشعور الإنسان بقيمته ، وتحقيقه لذاته وتوكيدها ، وقدرته على أن يتصرف وفقاً لطبيعته وسجاياه وخصاله ، وقدرته على إشباع حاجاته الجسدية والنفسية والاجتماعية ، وترجمة إمكاناته وطاقاته ، وتحقيق طموحاته . ويقال إن الحرية كالصحة ، لا يعرف معناها وقيمتها إلا من افتقدها ، ويبدو أن السبب في ذلك يعود إلى أن الإنسان يفتقد بغياب الحرية الكثير من القيم والمعاني الأخرى التي تهمه .

القيدُ الذي يَرِدُ على
الحريةِ : عدم الإضرارِ بالآخرين :
لا يمكن تصور الحرية بمفهومها الإنساني السوي والأخلاقي ، المتلائم مع حاجة الإنسانِ لأَنْ يعيش في مجتمع وينتمي إلى وطن ، إلا حين نقبل ونقر بأنها (أي الحرية) لا تكون مطلقة ، وإنما يَرِدُ عليها قيد مهم ، وهو عدم الإضرار بالآخرين ، فالأصل أن الإنسان حرٌّ في الاعتقاد والتفكير والتعبير والملكية والتصرف والعمل والتنقل ، لكن بما لا يضرُّ غيره من الناس .
لكن المستبدَّ يركز عادة على ما يجب أن يَرِدَ على الحرية من قيود، أكثر من تركيزه على الحرية ذاتها ، رغم أن الحرية أصل والقيد استثناء ، ولا أعني هنا المفهوم السياسي للاستبداد وحسب ، فكل من يقمع حرية غيره مستبد ، وعلى ذلك فقد يكون المستبد أباً يمارس الاستبداد حيال أبنائه ، أو زوجاً يستبد تجاه زوجته ، أو ذكراً تجاه من له سلطة اجتماعية نحوهن من الإناث، أو معلماً تجاه طلابه ، أو مسؤولاً تجاه المرؤوسين . فالمُستبد يَلِجُ من مدخل صعوبة تحديد مفهوم الحرية ومداها ، ليفسرها كما يشاء ، ويقرر لها من القيود ما يريد، ثم يجرِّد مَنْ تكون له سلطة عليهم منها ، بحجة أن الحرية ليست مطلقة .
وقد يكون الشخص نفسه أحياناً مستبداً بحق ذاته ، بحيث يقيّد حريته بالعديد من القيود، ومثال ذلك مـن يقيد تفكيره بمعتقدات فاسدة ، أو يقيد سلوكه بقيم واعتبارات ومعايير اجتماعية غير منتجة ، أو غير منطقية ، أو غير ذات أبعاد أخلاقية ، أو يقيد تصرفاته بعقود قانونية في غير مصلحته ، أو ما إلى ذلك .

الحرية حقٌ ... وليست منحةً :
إنها حقٌّ للإنسان منذ ولادته ، تستمر في كل مراحل حياته وحتى مماته ، لا قيد عليها إلا قيد العدالة (أي عـدم الإضرار بالآخرين) ، وهي ليست عطاءً يمنُّ به أحد على الآخرين، ولا هبة يتفضل بها شخص على سواه . وقد تبدو هذه الحقيقة بدهية لا تستحق التوقف عندها. لكن ، دعونا نتذكر طبيعة لغة خطاب القادة والزعماء والحكومات في الدول المتخلفة ، وكيف أنهم يمنحون شعوبهم حريات جزئية ثم يعتبرون ذلك في أحاديثهم وتصريحاتهم هبة منهم ، ومنّة يمنّون بها على الشعب ، رغم أن الحرية حقٌّ أصلاً ، وليس لمن سلبها ثم أعادها ، أو أعاد جزءاً منها ، أن يدعي الفضل والكرم .
ومن أكبر المشاكل في فهم الحرية والتعاطي معها تكون حين نمنح أنفسنا هذا الحق (أعني الحق بالحرية) مع تجريد الآخر منها ، أي حين لا نستطيع أن نتصور أن الآخرين يملكون الحرية في الاعتقاد والتفكير والتعبير والعمل والتملك والاختيار بوجه عام ، أو حين لا نطيق أن يملك الآخرون مثل هذه الحرية ، أو حين نبيح لأنفسنا الاعتداء على حرياتهم أو التدخل فيها .
الحرية شرط للتفكير
السليم ، وللموضوعية والإبداع :
من أهم أشكال الحرية - والتي كثيراً ما يغفلها الناس - حريّة العقل في التفكير ، حيث أن (الشرط الأول للعقل هو الحرية) وفقاً لما يقول سارتر ، وتلك حقيقة ، لأن العقل المقيّد بالمغالطات ، والمسيج بحدود ، لا يتوصل إلى الحقائق ، ولا يبدع ، ولا يكون موضوعياً ، وهو أميل دائماً للتقليد والسطحية وضيق الأفق .
وهناك فضائل متعددة أخرى لا تتفتّق بذورها ، ولا ينمو ساقها ، ولا تورق فروعها وتزهر وتثمر إلاّ في تربة الحرية . ومن ذلك مثلاً (الإبداع) ، فهو يَذبُلُ ويذوي في ظل القمع والكبت وغياب الحريات ، بينما يبرز واضحاً جلياً في مختلف مجالات الحياة العلمية والتكنولوجية والأدبية والفكرية والفنية في المجتمعات التي تسودها الحرية ، لأن الإبداع بطبيعته جديد غير مسبوق، يخرُجُ على المألـوف والمستقر والمسلم به ، ويحتاج إلى الحريّة لينطلق ويحلّق في الآفاق .
وفي ظل الحرية تتجلى أيضاً (الديموقراطية) بشكل أكثر رسوخاً وشمولاً وتقدماً ، حيث تتيح الحرية مجالاً واسعاً لتعدد الآراء ، فيتّجِهُ المجتمع لترجيح رأي الأغلبية ، ويتبنى ذلك منهجاً في الحكم ومختلف مجالات الحياة .
وفي ظل الحرية يصبح (النقد الموضوعي) مُباحاً ، فتتحسَّنُ وتتطورُ طرائق أداء المؤسسات ، وتزداد رقابة أفراد المجتمع ومؤسساته ووسائل إعلامه على أعمال الحكومات ، فيقلُّ الفساد ، ويَحْسِبُ كلُّ مسؤولٍ ألفَ حسابٍ للخطأ والتقصير .



الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
الحرية : اختيار ، ومسؤولية ، وعدم إضرار بالأخرين
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
لمسة أمل  :: المنتدايات العامة :: المنتدى العام-
انتقل الى: