لمسة أمل

لمسة أمل


 
الرئيسيةالبوابة**مكتبة الصوربحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 ثقل الدَّم...!

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة




البلد :
نقاط : 174910
تاريخ التسجيل : 01/01/1970

مُساهمةموضوع: ثقل الدَّم...!   الأحد أبريل 08, 2012 8:45 am




ثقل الــدَّم ... !







ابراهيم كشت - راقِبْ شخصاً يحمل فوق ظهره شيئاً ثقيلاً يحاول نقله من مكان لآخر ، ستراهُ محدودباً، قاطب الوجه ، عابساً دون قصد، مشدود الأعصاب ، متصبب العرق ، مُنهكاً ، ينتظر اللحظة التي يستطيع فيها أن يضع حمله . وما أن ينزاح ذلك الثقل العظيم عن ظهره ، حتى تجده قد تنهّد بارتياح ، وبَدَتْ على مُحياه ملامح الرّضا ، واختلفت حاله تماماً عما كانت عليه وهو تحت وطأة ثقل ذلك الشيء الذي كان يحمله .
وربما سمّى الناس الشخص الذي نعاني من حضوره ، أو لا نطيق وجوده ، أو لا نحتمل سلوكه وأسلوبه وحديثه ، ربما سمى الناس مثل هذا الشخص بـ (الثقيل) لأن معاناتنا من حضوره ووجوده وسلوكه وحديثه ، تشبه معاناتنا ونحن نحمل شيئاً ثقيلاً ، لا نرتاح حتى نتخلص منه وينزاح عن كاهلنا ، وهذا تعبير لغوي بليغ في كل الأحوال ، فالضغط النفسي الذي نعيشه نتيجة حضور شخص لا يطاق يشبه الضغط المادي والنفسي الذي يعانيه من يحمل شيئاً ثقيلاً ، وإذا كان حامل الشيء (الثقيل) لا يرتاح حتى ينزاح حِمْلُه ، فإنّ من يكابد من وجود شخص (ثقيل) لا يخرج من حالة الضيق التي يعانيها حتى يفارقه ذلك الشخص .
ولا أدري لماذا استخدم الناس في اللهجة العامية المحكيّة تعبير (ثقيل الدم) للدلالة على الشخص الثقيل في وجوده وحديثه وسلوكه ، ربما لأن الدم يسري في سائر الجسد، كما يسري الثقل في كل حركات الثقيل وملامحه وكلامه وحضوره ، أو لأن بعض العامة ظنّوا أن سبب ثقل حضور الشخص يعود لكثافة دمه ، أو غير ذلك . لكن ثمة من يستخدم تعبير (ثقيل الظلّ) وفي مقابلها (خفيف الظلّ) وأجده تعبيراً أكثر بلاغة ، فظلّ الشيء وإن كان ليس جزءاً منه ، إلا أنه أثر من آثار وجود ذلك الشيء وحضوره ، وتستخدم كلمة (الظلّ) عادة للتعبير عن الجوّ الذي يضفيه الشيء حوله ، وعما يوحي به ويثيره في النفس من خواطر وأفكار .
ولو أنك سألت عدداً من الأشخاص عن فهمهم لعبارة (ثقيل الدم) فربما حصلت منهم على إجابات متباينة ، لكنهم سيتفقون بالتأكيد على أن ثقيل الدم شخص لا نَسْعَدُ بوجوده ، ونستثقل حضوره ، ونحسُّ براحة إذا ترك مجلسنا أو تركنا مجلسه ، وسيتفق معظم الأشخاص الذين تسألهم على خصال تجعل من المرء ثقيل الدم ، ومن ذلك أن الثقيل يفتقد الإحساس المرهف واللباقة التي تجعله يشعر بأن من يستمعون له لا يطيقون حديثه ، أو أن من أتى لزيارتهم لا يحتملون مكوثه .
وكثيراً ما يكون ثقيل الدم ممن يطيلون الحديث ، فإذا بدأوا به لا ينتهون ، ولا يُتيحون لأحدٍ مجالاً للكلام ، فإذا تحدّث شخص آخر أسرعوا لمقاطعته ، ويغلُب أن يكون هؤلاء أيضاً ممن لا يتوقفون عن الحديث عن أنفسهم ، كأنهم محور الحياة ومركز الكون ومحط اهتمام الناس أجمعين ، وكأنهم هم وحدهم من يملك دائماً الرأي السديد والتحليل السليم والقول الفصل في كل شأن . ومنهم كذلك (ثقال الدم) من يتكلّف ويتصنع ويدعي ويكثر من الاستعراض والتظاهر، مما يبعث في الناس عدم الرغبة في مجالستهم . ومن ثقال الدم أيضاً الملول ، والشكّاء ، وكثير الطلبات ، والملحاح ، والجامد الذي لا يبدي تجاوباً مع شيء ، والفظ الغليظ ذو الكلام العدواني ، وسواهم .
وللشعور بثقل الدم علاقة – فيما أعتقد – بالإحساس بالجمال ، وبتعبير أدق الإحساس بجمال السلوك أو قبحه ، بدليل تفاوت ذوق الناس فيما يعتبرونه ثقيل الظل أو خفيفه وفقاً لتفاوت بيئاتهم وثقافاتهم وخصائص شخصياتهم ، وأذكر أني استمعت صدفة قبل سنوات لجزء من مسلسل إذاعي ، معظم الحوار فيه شتائم متبادلة بين أبطاله ، تخرج على لسانهم بلكنة عامية سوقية ، وبأسلوب مبتذل ، فقلت في نفسي (ما أثقل دمه من مسلسل) وبحثت عن محطة أخرى في المذياع ، وفي مساء ذلك اليوم ذاته كنت في زيارة ، فإذا بأحد الحضور يتحدث عن ذلك المسلسل إياه معجباً ، ويقول : كم أحبُّ ذاك المسلسل الإذاعي ، وكم يدفعني إلى الضحك!
وفي التراث العربي كثير من الأبيات الشعرية ، والقصص ، بل والكتب ، التي تذمُّ الثقلاء ، وتبالغ في ذمّهم ، وتتمادى في وصف أثر ثقلهم ، حتى ليفضل بعض من وصفهم دخول الجحيم على مصاحبة الثقلاء في الجنّة . ولعل العامل المشترك بين ما قيل في الثقلاء قديماً من شعر ونثر هو الاتفاق على اعتبارهم أصحاب خصال يكرهها الناس ، وطباع غليظة تجعل مجالستهم أمراً لا يطاق ، ومفارقتهم راحة وسعادة .
ولئن كانت كتب التراث حين تتحدث عن الثقلاء تقرن ذلك بوصف مجالستهم ، فلأنّ جزءاً كبيراً من حياة الناس في الماضي كان ينقضي في المجالس والزيارات وتبادل الحديث المباشر ، ولم تكن وسائل الإعلام ، وبخاصة التلفزيون ، قد دخلت حياتهم بعد ، وبالتالي فإنه يجوز لنا في عصرنا الحاضر أن نتحدث عن مقدم برامج ، أو عن ضيف في ندوة أو حوار تلفزيوني يكون ثقيلاً ، أو ربما عن مسلسل أو نشرة أخبار ثقيلة الظل ، أو عن كتابٍ أو مقالة (كمقالتي هذه) تكون ثقيلة الدم ...!


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
ثقل الدَّم...!
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
لمسة أمل  :: المنتدايات العامة :: المنتدى العام-
انتقل الى: