لمسة أمل

لمسة أمل


 
الرئيسيةالبوابة**مكتبة الصوربحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 الأخطاء الشائعة في التفكير

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة




البلد :
نقاط : 178220
تاريخ التسجيل : 01/01/1970

مُساهمةموضوع: الأخطاء الشائعة في التفكير   الثلاثاء فبراير 07, 2012 3:29 pm




الأَخطاءُ الشائعةُ في التّفكير


ابراهيم كشت - يتوقَّفُ أهلُ اللغة والبيان عند كثير مما نستخدمُ في أَحاديثنا وكتاباتنا من ألفاظٍ تخالفُ صحيح اللّغة الفصيحة وأصولها ، وينبِّهوننا بشدةٍ وحدّة إلى أن هذا الاستخدام ، وإن كان متداولاً ، إلاّ إنه خطأ شائع 0 وقد تزايدت أعداد الأخطاء اللغوية الشائعة التي يشير إليها علماءُ اللغة الأَجلاّء حتى باتت تُجمَعُ في كتب كاملة 0
ومما يُلاحظ في موضوع الأخطاء اللغوية الشائعة ، أن اللفظ الخاطئ المتداول الشائع يبدو مقبولاً مستساغاً مؤدِّياً لغرضه لدى الأعمِّ الأغلب من الناس ، بينما يبدو اللفظ الصحيح الموافق لأصول اللغة مُسْتغرَباً مُستهجناً وربما مرفوضاً أحياناً 0 بيد أن شيوع الأمر وانتشاره أو قبوله واستساغته لا يجعل منه صحيحاً إن كان خاطئاً بأصله ، كما أن استهجان الأمر ونُدرته لا يجعل منه خاطئاً إن كان صحيحاً أصلاً 0
وهذا هو الحال أحياناً بالنسبة لطرائق التفكير الخاطئة عندما تكون شائعة ، حيث قد تبدو أكثر قبولاً وأقرب إلى النفس ، وأدعى لاستنفار صاحبها للتمسك بها والدفاع عنها والتّهجّم على من يقترب منها ، مما يجعل مجرّد البحث في مثل هذه الأخطاء الشائعة مُحاطاً بالخطر ومُستلزماً الحذر ، لأنه قد يتناول معتقدات البعض ، أو يقترب من مُسلّمات في مجالات متعددة من الحياة الفكرية والثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية ، لا يجوز الدُّنوُ منها 0
ولهذا السبب فسوف أَقصِرُ الأمثلة التي سأطرحها حول الأخطاء الشائعة في التفكير على جوانب جزئية من أحكام بعض الناس واستنتاجاتهم ، ويمكن للقارئ الكريم أن يتوسع في البحث عن المزيد 0 0
قد تستمعُ لقومٍ يتحدثون في أمور شائعةٍ جديدة ، وأخبار طازجة مما يَلَذ لأصحاب الصالونات تناقله حول عورات الآخرين وعيوبهم وفضائحهم ، دون أن يكون ثمة دليل على صحة تلك الشائعات والأخبار ، فينبري أحد المتحدثين ليقول بلهجة واثقة قاطعة : (لا دُخان دون نار) ويعتقد أنه بذلك قدّم الدليل المنطقي الحاسم على صحة الإشاعة ولو جزئياً وفي جوانب منها على الأقل ، فما دام الدخان لا ينتشر في الأجواء ما لم تكن ثمة نار بعثتهُ فإن الخبر أو الشائعة لا تنطلق إلا إذا كانت ثمة أحداث فعلية ووقائع صحيحة انبثقت عنها الشائعة ! وترى مَنْ حول هذا المتحدث قد هزّوا برؤوسهم إيجاباً مُؤَمِّنين ومصدِّقين ، فكأنه جُهينةُ التي قطعت قول كل قائل 00 إذ (لا دخان دون نار)00!
انظر لهذا القول كيف أنه يشكّل فعلاً خطأً شائعاً في التفكير ، فدون حاجة منا لأن نُحلله منطقياً ببيان عناصره من مشبّه ومشبّه به ووجه تشبيه ظنّي وحكم 000 لنبيّنَ فساده ، ودون حاجة بنا لأن نقول أن ثمة في الطبيعة فعلاً دخان ينطلق دون نار ، دون حاجة لكل ذلك ، فإن من يملك التفكير المنطقيّ السليم يدركُ أن ما ينطبق على الظواهر الطبيعية كالنّار والدّخان من قوانين وأحكام ، ليس بالضرورة أن ينطبق على حياة البشر وسلوكاتهم وأخبارهم ، وأن قيامنا بتشبيه جوانب من الحياة والسلوك بأمور تحدث في الطبيعة هو من قبيل التوضيح وتسهيل الفهم وليس من قبيل التطابق التام بينهما ، فحتى لو كان الدخان لا ينتشر دون نار ، فهذا لا يعني أن الخبر لا ينتشر إلا إذا كان له أساسٌ من الصحة أو رصيد من الواقع ، فكم من شائعات ابتدعها مغرضون دون وجود أية وقائع أو أحداثٍ فعليّة متعلقة بها ، فهي كنبأ الفاسق يجب أن نتبيّنه قبل أن نصيب قوماً بجهالة فنصبح على ما فعلنا نادمين 0
وخذ مثلاً آخر على خطأ شائع في التفكير يُستخدم في مجال تبرير الزّلل والفشل بوجه خاص ، فقد يفشل طالب في الامتحانات لأنه لم يبذل الجهد الكافي في الدراسة ، فتجده أو تجد من يدافعون عنه يبررون ذلك بعبارة صادقة ، يستدل بها استدلالاً خاطئاً فيقولون (إنه ليس أول ولا آخر طالب يرسب) أو قد يضرب الأب ابنه مثلاً ثم يقول (لست أول أو آخر أب يضرب ابنه) وقد يتابع ليقول (فلان يضرب ابنه باستخدام عصا ، وفلان يفعل بابنه كذا ، آباؤنا كان ضربهم أكثر قسوة 00) وإذا كان المثال هنا مبسّطاً يتعلق بطالب وأب وابنه فإن القارئ يعلم أننا نلجأ لمثل هذا التبرير أحياناً في مسائل وشؤون حياتية أكبر وأوسع 0
والواضح أن المنطق يجافي هذا التبرير ولا يقبله ، لسبب جدُّ بسيط ، حيث بمقدور القاتل أيضاً أن يقول (لست أول وآخر شخص يقتل) وبإمكان السارق والكاذب ومرتكب كل الكبائر وكل من يقومُ بفعل مشين أن يقول مثل هذا القول ، فيكون صادقاً في عبارته مخطئاً في استدلاله على أنها حقيقة تبرِّرُ فعله 0
وأضربُ مثلاً آخر لما هو شائع من أخطاء التفكير ، مثلٌ تكاد تسمعه باستمرار وفي شتّى المجالس ، وهو الجزم بأن أيام زمان كانت أفضل من أيامنا هذه ، فصحّة الناس كانت أحسن ! والعمر كان أطول ! والحياة كانت أبسط وأسعد ! جدي عاش مائة عام ! وجدتي كانت قوية في عمر السبعين ! والناس كانوا متحابّين متقاربين ! حبَّةُ البندورة كانت أكبر ! والبطيخة كانت أحلى مذاقاً 000!
إن مثل هذا الحكم يجافي المنطق لأنه يخالف الحقائق والأرقام مخالفة كبيرة ، فمتوسط عمر الفرد الحالي أعلى بكثير مما كان عليه في السابق ، ومعدّل وفيات الأطفال أضحت أقلُّ بكثير أيضاً ، ونسبة الأميّة انحدرت ، ونسبة الأوبئة والأمراض غدت أقلّ ، وإمكانيات الوقاية والعلاج أوسع ، والخيارات أمام البشر تزايدت ، والأجهزة والأدوات المُتاحة سهّلت الحياة وقللت الجهد والوقت والمشقّة ، وإمكانيات السفر والإطلاع على ثقافة الآخرين بشتى السبل باتت متاحة قريبة المنال ، حتى الحرية والديموقراطية وحقوق الأنسان صارت أفضل مما كانت عليه ، وتلك هي طبيعة الحياة حيث تتطور للأفضل بوجه عام مهما كانت الاستثناءات 0
لكن العوامل النفسية تجعلنا نعتقد بخلاف ما تقوله الحقائق والأرقام ، فالإنسان يَميلُ لنسيان التجارب المؤلمة وتذكُر التجارب السعيدة والتركيز والتأكيد عليها ، مع أن حياة الأمس لم تكن مجرد عائلة سعيدة تجتمع حول الموقد وتتبادل الأحاديث الدافئة برومانسية ، ثم تأكل من الفواكه والخضار الطازجة الوفيرة ، ثم يتبادل كل الجيران وأهل القرية الودَّ والمحبة دون سواها 00 بل كان في تلك الحياة كثيرٌ من الفقر ، والمشقّة ، والجهل ، والخرافة ، والظلم ، والنزاعات داخل العائلة ، والخلافات بين الأفراد والجيران والعشائر والقرى ، وكان فيها سلب ونهب وإهدار لكرامة الإنسان ، وتحديد لاختياراته وحريته ، وكانت فيها شوارع موحلة ومكاره صحية وأوبئة وأمراض ، ولم تكن خالية أبداً من الكذب والنفاق والخداع والمكائد وظلم الضعيف والقسوة في التعامل 000 كل ذلك حتى لو بقينا مُصرّين على النسيان اللاشعوري للتجارب السلبيّة وتذكر الأحداث السعيدة القليلة .



الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
الأخطاء الشائعة في التفكير
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
لمسة أمل  :: المنتدايات العامة :: المنتدى العام-
انتقل الى: