لمسة أمل

لمسة أمل


 
الرئيسيةالبوابة**مكتبة الصوربحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 محاولة لفهم معنى (الحوار)

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة




البلد :
نقاط : 174910
تاريخ التسجيل : 01/01/1970

مُساهمةموضوع: محاولة لفهم معنى (الحوار)   الثلاثاء يونيو 07, 2011 9:42 am



محاولة لفهم معنى (الحوار)




إبراهيم كشت

أحاولُ أن أَجتهد في تحديد دلالة مصطلح (الحوار) فأقول : إن الحوار شكلٌ من الاتصال الإنساني الهادف، الذي يحقُّ لكل طرف فيه أن يكون مُرسِلاً ومُستقبِلاً، وتكون مصالح وغايات هؤلاء الأطراف متماثلة أو متقاربة، وإن اختلفوا فيما بينهم على الأفكار والتفسيرات والاستراتيجيات والوسائل، ويسعى هذا الاتصال لطرح وتداول نقاط الاتفاق والاختلاف ؛ لزيادة المساحات المشتركة بين المتحاورين، وتقليص مساحات التباين، والخروج بتصورات مشتركة، وحلول مقبولة لديهم، قدر الإمكان .
وفي ضوء هذا الفهم، أعتقد أن الحوار لا يقوم، ولا يتم صحيحاً، ولا يؤتي ثماره، إلا إذا تحققت له عدة شروط، وأول هذه الشروط إعتراف كل طرف من أطراف التحاور بالطرف الآخر، فلا حوار مع الإنكار أو الإقصاء أو التهميش أو التبخيس الموجه من طرف إلى الطرف الآخر . أما شرط الحوار الثاني، فهو وجود حد أدنى معقول من التكافؤ الواقعي في أوضاع ومواقع المتحاورين، فالحوار لا يكون بين غالب ومغلوب، أو قوي وضعيف، أو جانٍ وضحية، أو غاصب ومغصوب، فمثل هؤلاء يمكن أن يجري بينهم تفاوض، يحاول كل طرف فيه الحصول على ما أمكن من المكاسب أو تجنب ما استطاع من الخسائر .
وشرط الحوار الثالث هو تماثل المصالح والغايات، أو على الأقل تقاربها فيما بين المتحاورين، فالحوار يجري مثلاً بين أفراد الأسرة أو الوالدين ما دامت الغاية والمصلحة بينهم هي استمرار سلام الأسرة واستقرارها وتطورها . ويدور الحوار بين المدرسين والطلبة بهدف مشترك يسعون إليه، وهو تحقيق رسالة التعليم واكتساب مهارات التفكير السليم . ويقوم الحوار بين المديرين والموظفين في المؤسسات، وغايته البحث عن حلولٍ لمشاكل العمل ووسائل مبدعة للتطوّر . كما قد يجري الحوار بين السلطة ومؤسسات المجتمع المدني بهدف تحسين الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وهكذا .
أما شرط الحوار الرابع – فيما أرى – فهو صدق نيّة المتحاورين في التوصل إلى تصورات مشتركة وحلول، فلا يحقق الحوار أهدافه إذا كانت نية أحد المتحاورين كسب الوقت للحفاظ على مكاسبه، أو الإيحاء للآخرين بانفتاحه الفكري وتسامحه ورغبته بالمشاركة، بينما يكون في حقيقته مستبداً برأيه، ساعياً نحو مصالحه الشخصية، لا تهمّه المبادئ ولا تعنيه مصالح المجتمع، ولا يعترف فعلاً بالطرف الذي يخالفه الرأي .
ولعل الشرط الخامس الذي ينبغي توافره في الحوار، هو التسامح بمعناه الفكري والحضاري، أي إيمان كل طرف بحق الطرف الآخر في تبنّي الرأي المخالف لرأيه، واقتناعه بأنه لا يملك الحقيقة النهائية دون سواه، وبأن من حق الآخر أن يعبّر عن رأيه ذاك، ويبين أسانيده، وينقد الرأي الآخر المخالف لرأيه، ويظهر تفاهته أو ضعفه.
وإذا كان الحوار نقيضاً للقطيعة بين الأطراف المختلفة، ونقيضاً للصراع السافر، فهو - أي الحوار - ضدُّ لما نسميه بالتلقين، ففي التلقين تسقط الأفكار والمعاني والمعلومات والأوامر من الأعلى إلى الأسفل باتجاه واحد، فهناك طرف يرسل، وطرف آخر ليس أمامه إلا أن يستقبل، وليس له إلا أن يتلقى مستسلماً، فلا حق له في أن يردّ أو يناقش أو يعترض أو يتساءل أو يشك أو يرفض . فالتلقين اتصال تكون الرسالة فيه نهائية قاطعة، يرسلها من يملك السلطة، سواء أكانت سلطة سياسية أو قانونية أو مالية أو اجتماعية، أو كانت سلطة أب أو معلم أو مدير أو مسؤول أو سوى ذلك، وفي التلقين دائماً طرف يلغي الطرف الآخر أو يُقصيه . كل ذلك على خلاف الحوار الذي يعتمد على طرفين يعترف كل منهما بالآخر ويقبلُه، ويكون فيه الاتصال أفقياً في اتجاهين، وليس رأسياً باتجاه واحد .
وقد كان لتطوّر وسائل الاتصال، وزخمها، وسرعتها، وسهولة استخدامها، وانتشارها، وبخاصة الانترنت والفضائيات والخلويات، أثراً واضحاً في زيادة المجال المتاح للحوار، وتعدد أطرافه واختلاف موضوعاته، وإن كان بعض ما يجري من اتصال متبادل من خلال هذه الوسائل، لا يرقى في أحيان كثيرة إلى مفهوم الحوار، بل ينطبق عليه مفهوم الجدل، بما في الجدل من تعصّب وانغلاق وعناد، وبما يسود أجواءه من ودّ مفقود وتوتّر مشهود .
ونلمس من خلال كل ما تقدم، ان الحوار اتصال فيه أخذ ورَدّ، وتبادل وتداول وتفاعل في الآراء، وفيه خروج على الجمود وأحاديه النظرة، وبحثٌ عن التفاهم، وسعي نحو تجاوز دائرة (أنا) إلى دائرة (نحن)، ونزوعٌ إلى المشاركة بدل التسلّط . كما أن للحوار دوراً إنسانياً واجتماعياً وثقافياً وسياسياً، وله دوره في الإبداع وخلق الأفكار وتطويرها . وفوق هذا وذاك، فإن الحوار أرقى أساليب الاتصال، وأكثرها رشداً ونضوجاً، ذلك أنه يلغي أهم معوّقات الاتصال الإنساني، وهي المعوقات التي تنتج عن شعور أي طرف بعدم اعتراف الطرف الآخر به، لأن عدم الاعتراف هذا يقوّض عملية الاتصال، ويقلبها غالباً إلى صراع ظاهر أو مكنون .

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
محاولة لفهم معنى (الحوار)
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
لمسة أمل  :: المنتدايات العامة :: المنتدى العام-
انتقل الى: